ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

104

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

--> - ذلك المعلوم في نفسه ؛ ويتعيّن له لديه صورة تامّة المضاهاة لتعينه الأول الثابت لذلك المعلوم في علم الحق أزلا دون انصباغ المعلوم بخاصية واسطة ما . وهكذا هي صورة علم العقل الأول بالحق وبنفسه ، وبما أودع ربه فيه من علمه سبحانه بالعالم المقدّر الوجود إلى يوم القيامة . ويلي هذه المرتبة الثانية العلمية المذكورة : « علم اللوح المحفوظ » المسمى عند قوم بالنفس الكلية ؛ وعلم كل إنسان كانت غاية مرتبة نفسه هناك ؛ وهو علم يمتاز عن العلم الأكمل وينزل عنه بدرجتين : الدرجة الأولى : بسبب التعين الثاني ؛ فإنه وإن كان مطابقا للتعيّن الأول الثابت في علم الحق أزلا ؛ فإنه محاك له ليس عينه ؛ ومحاكي الحقيقة لا يكون نفس الحقيقة وهذا العلم المتعين في الدرجة الثالثة النفسية اللوحية له صورة محاكية للمحاكي الأول ومنصبغة بحكم قيد المحاكي وإمكانه ؛ فهي في المحاكي الأول ذات قيد وانفعال واحد ؛ وهي في هذه المرتبة ذات قيدين وانفعالين ؛ بل بنفس الارتسام في نفس اللوح يحدث انفعال ثالث وقيد آخر غير القيدين ، فإنه لا يبقى لديه على نحو ما وصل الأمر إليه ؛ هذا محال ، فافهم واستبصر . ثم تنحط مراتب العلم ودرجاته بمقدار الخروج الانحرافي عن حاق النقطة الوسطية الإعتدالية المذكورة الثابتة في مقام مسامتة الحضرة الإلهية الذاتية الكمالية ، فينقص العلم لذلك وتتضاعف أيضا مع هذه الدرجات الانحرافية صور المطابقات والمحاكات على مقدار كثرة الوسائط وكثرة صور محاكاتهم وتضاعف الانفعالات الواقعة في خلال ذلك ، فإن كل صورة متعينة في مستفيد متأخر ومرتسمة في نفسه من إفادة المقيد ؛ منفعلة عن نفس المقيد والصورة المتعينة فيها المحاكية لما سبقها . فوضح بما بيّنّا أن كل صورة محاكية تنزل عن درجة الصورة السابقة لها في التعين والمحاكاة لما أسلفنا ؛ ولخلوّ السابقة عن جملة من الأحكام الإمكانية التي تلبّست بها صورة علم المستفيد المتأخر ؛ إذ لا ريب في أن الأحكام الإمكانية حيث ما كثرت ؛ قل العلم ونزلت درجته ؛ إذ لا إمكان حيث العلم التام ؛ إنما هو إثبات محض ، أو نفي محض ؛ فالحكم بالإمكان حيث نقصان العلم أو عدمه . ولهذا قد نقول : الجهل بالحق وبكل شيء إنما موجبه حكم ما يقتضي الامتياز والمباينة بين الإنسان وما يريد معرفته ؛ فإن كان المراد معرفته هو الحق فسبب عدم معرفته هو ما يتميز به الحق عن سواه ، وإن كان المراد معرفة شيء من الممكنات فليس الموجب لجهله إلا الأحكام الإمكانية اللازمة للماهيات الممكنة المقتضية تميز كل ماهية عن غيرها من الماهيات ، وإلا فلا -